إبراهيم طالع الألمعي
كان حلما أنْ آتيَ ضيفاً إلى العاصمة، وتحقَّقَ ذاتَ جنادرية. السكن: فندق قصر الرياض.
العودة إلى الجنوب غدًا وليس لديَّ هديةٌ للزوجة المولعة بالهدايا! جرسُ التلفون يرنُّ: صوتها ينقذني وبلغة آمرة: يقولون هناك نوعٌ من العطر اسمه (..) تجده في الطابق الثاني في سوق السليمانية.. استخدمت كل ما يعرفُ عني من شياكة متجها إلى ذلكم السوق ليسَ من أجلِ شراء الهديّة فقط، لكنْ لاستعراض شياكتي في العاصمة!. كان وقت صلاة العشاء، مكثت أمام المتجر ريثما يفتح المحل. عسكريّ يربتُ على كتفي:
كلِّمِ الشيخ ( مشيرا إلى رجل ذي مواصفات خاصة يطلق عليه البعض: شكل الملتزمين).
- ورا ما تصلِّي؟ - أدركتُ أنني أمام ما سمعته من زميل هناك من حفظة القرآن حكى لنا قصة استقالته عن الإمامة من أول يوم باشرها بسبب أن أحدهم سلَّمه دفتر تحضير المصلِّين (واسم الزميل: حسن الدوسري)!
قرَّرتُ الهدوء والاستمرار في إكمال الفيلم فقد كنت أسمع عما لم أعشه! قلت:
ولمَ تسأل؟
الشيخ للعسكري: خِذِهْ. وهناك اقتادني العسكري الطيب إلى سيارة (g mc) لأول مرة أركبها لأنَّ سيارتي من نوع (جب) تويوتا. كنتُ والله جاداً حين ركوبي في المقدِّمة حتى نهرني السائق: (اطلع ورا). ذهبت إلى الثانية فنهرني ودلَّني على مكاني في مؤخرة السيارة، وهناك كان لقائي مع أربعة من العمال المعتقلين وبيننا كانت الأسئلة: أنت فيه إيش مشكلة؟ أنا ما في صلاة في مسجد، وأنت؟ أنا فيه يبيع عملة (كان العمال يبيعون عملة معدنية أيام هاتف العملة ). وأنت إيش فيه مشكلة؟ - أنا فيه يمشي في شارع وقت صلاة... المهم أنني اندمجت مع الإخوة العمال حتى جاء الشيخ عائدا بمجمل صيده متجها بنا حيث لا نعرف، وإذا أمامي مركز ذو مكاتب تحيطها ساحة فخمة، نزل الشيخ وأخذ معه العمالة ليصلي بهم في المسجد صلاة سريعة بعد العاشرة مساء، أما أنا فقد قررت استكمال الفيلم ووقفت في الميدان مدخنا - كعادتي السيّئة - أمام الجماعة بشكل ملفت للنظر! جاءني مباشرة: ورا ما صليت؟
- قلت: صليت جمعا وقصرا في سكني، ثم لماذا تسألني عن صلاتي؟!
- لماذا تقف في السوق وقت الصلاة؟
- أين تريدني أن أقف؟
- وبعد حوارية لم أستطع خلالها الصمود لتمثيل دور العمالة تفرّس في لغتي أو ربما ثقتي، فسألني:
- أنت من وين؟
- قلت بلغة عنتريةٍ نحويةٍ قوية أضاعتْ عليّ فيلما كنتُ أريدُ إكماله:
- خذ حفنة من التراب، وإن كنت ممّنْ يجيد قراءته ستعلم من أين أنا!!
- من وين؟
- من عسير.
- وانِّعم، ما عندكم هناك هيئة أمر بمعروف؟
( تذكّرت معنى الباء -هنا - والتي سأشرحها فيما بعد بزاوية مستقلة ) وأجبته:
- كلنا هيئة! المشكلة أن سيجارتي بيدي أمامه وفي الرياض!
- الرجل لم ير جدوى في إدخالي مع من صادهم من العمال إلى الغرف الخاصة، فأمر لي بسيارة لإيصالي إلى فندقي وعاملني معاملة لائقة لم أدر هل لقي زملائي المعتقلون مثلها داخل الغرف؟؟ ولمْ أستفدْ منه - لإكرامه إياي - لماذا اعتقلني في السوق وأخذني إلى ذلكم المكان!!
عدت إلى فندقي خائبا بلا هديّة، وأحسَنَتْ زوجتي استقبالي عائداً من الغنيمة بالإياب، لم أدخل - بسبب كرمه معي - غرف الهيئة الخاصة التي يقال إنها معدَّة لعذابٍ صوتيٍّ وبأشرطة وعظيّة خاصة - كانت تلكم الأيام وخصوصا أن دماء شهداء أفغانستان كانت حسب تلكم الأشرطة تفوح مسكا وعنبرا-. السؤال: هل هناكم نظام صريح للهيئة ينص على اعتقال من كان خارج المسجد وقت الصلاة أو مصليا في عمله أو فندقه وبيته أو مزرعته..إلخ، أم هي بوليسية شخصية للهواة يمارسها أفراد دون أنظمة؟ فلقد اعتقلتُ بغير المعروف حتى وإن أُطْلِقْتُ بمعروف!
الاثنين 10 شعبان 1429هـ الموافق 11 أغسطس 2008م
تعليقات
إرسال تعليق